رثاء الأطفال

Advertisements

من  منا  لم  يتأثر  بفقد حبيب أو   بكي لفقد قريب   فالموت   زائر   غير مرحب به  لكنه لا  بد  أن يزور كل بيت  وأسرة ، بل كل نفس . ويعد الرثاء من أكثر  أغراض الشعر تأثيرا  في النفس .

  “قال الباهلي: قيل لأعرابي: ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ قال: لأنا نقول وأكبادنا تحترق.” البيان والتبيين (2/ 218).    أما موت الود فإنه يأخذ حيزنا كبيرا من باب رثاء غير السائد ذلك أن الطفل الصغير  هو فلذة الكبد ورجل الغد يراه الوالد امتدادا له و يعول عليه عند الكبر ليأخذ بيده إذا العمر ما أدبر ولذلك  قيل (( موت الولد صدع في الكبد لا ينجبر آخر الأمد ))  (العقد الفريد 3/258.)

  وسنحاول في هذا المقال الحديث رثاء الأطفال وعن العاطفة في رثاء الأطفال وما يتميز به رثاء الأطفال ، والتكرار الذي  ورد  في رثاء الأطفال ورثاء الأطفال في الشعر الحديث.

وقبل ذلك يجب أن نشير إلى أن رثاء الأطفال يختلف عن رثاء الأبناء فالابن قد يكون كبيرا في السن أما الطفل فلا يتجاوز العاشرة من عمره تقريبا.

وهذا ما يؤكده ابن الرومي عند موت ابنه محمد بقوله: من الطويل

لقَد قلَّ بين المهْد واللَّحْد لُبْثُهُ  فلم ينْسَ عهْدَ المهْد إذ ضُمَّ في اللَّحْدِ

(ديوان ابن الرومي ج1 ص400)

فابن الرومي يؤكد على أن ابنه مات صغيرا فالمسافة الزمنية بين المهد واللحد قصيرة .

  وإذا تجاوزنا معنى الصدق في العاطفة فإننا نجد شعر الرثاء يخرج من عاطفة متأججة لا يمكن أن تكون قد زيفت مشاعرها فتخرج الأبيات متدفقة يرسلها الألم وتدفعها عاطفة الحزن  فتخرج الأبيات منسابة بلغة تتناسب مع  الخسارة والفقد  وهذا الأمر يدحض قول ابن رشيق “ ومن أشد الرثاء صعوبة على الشاعر أن يرثي طفلاً أو امرأة؛ لضيق الكلام عليه فيهما، وقلة الصفات” (العمدة ج2/154)

فالشاعر يستطيع أن يعبر عما بداخله لا سيما في حال المصيبة والألم ، فطرق التعبير كثيرة وبحور الشعر وفيرة والمعاني والألفاظ يكمن الوصول إليها وفي التعبير يعول عليها

وهذا أبو الحسن التهامي يرثي ولده  وقد مات صغيرا :

حـكـمُ المنـيَّـةِ فـــي الـبـريَّـةِ جـــار مـــا هـــذه الـدُّنـيــا بــــدار قــــرارِ
بيـنـا يُــرى الإنـسـانُ فيـهـا مُخـبـراً حـتَّـى يُــرى خـبـراً مــن الأَخـبــارِ
طُبِعَـتْ علـى كَــدَرٍ وأنــت تريـدهـا صـفــواً مـــن الأقـــذاءِ والأكـــدارِ
إنِّــي وُتِــرْتُ بـصـارمٍ ذي رَوْنَـــق أعـــددتُـــه لــطــلابــةِ الأوتـــــــارِ
يـا كوكبـاً مــا كــانَ أقـصـرَ عـمـرَهُ وكــذا تـكــون كـواكــبُ الأسـحــارِ
وهــلالُ أيَّــامٍ مـضـى لـــم يـسـتـدرْ بــدراً ولــم يُمْـهَـلْ لـوقــتِ سِـــرارِ
عَجِـلَ الخُسـوفُ عليـه قـبـل أوانِــهِ فـغـطَّــاهُ قــبــل مَـظِـنَّــةِ الإبـــــدارِ  

وتتجلى العاطفة الصادقة   في حكمة مقرة بقضاء الله وقدره  بيد أنه كان يعد ولده للغد فمات صغيرا واصفا إياه بالكوكب والبدر وأتى بالبدر والكوكب إشارة إلى قصر عمريهما الذي توافق مع قصر عمر ابنه.

    أما الحجاج بن يوسف الثقفي فعندما مات ولده لم يستطع أن يرثيه   وكان ساعتها يتمنى أن يكون شاعرا  ليتمكن من رثاء ولده . ولما كانت عاطفة الحزن والألم متأججتين لم يرضه الحال   “فأرسل إلى الشاعر خلف بن قيس فقال له ارث ابني أبان كما رثيت ابنك الحسن ، فقال له ابن قيس  : إني لا أجد بابنك ما كنت أجده في حسن ابني ، فقال : وما كنت تجد فيه ؟.قال : ما رأيته قط وشبعت من رؤيته ، ولا غاب عني قط إلا واشتقت إليه. فقال الحجاج : كذلك كنت أجد بأبان ( ذيل الأمالي ص569)

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *